عثمان بن جني ( ابن جني )

200

الخصائص

باب في العلة وعلة العلة ذكر أبو بكر " 1 " في أوّل أصوله هذا ؛ ومثّل منه برفع الفاعل . قال : فإذا سئلنا عن علّة رفعه قلنا : ارتفع بفعله ، فإذا قيل : ولم صار الفاعل مرفوعا ؟ فهذا سؤال عن علّة العلّة . وهذا موضع ينبغي أن تعلم منه أنّ هذا الذي سماه علّة العلّة إنما هو بتجوّز في اللفظ ، فأمّا في الحقيقة فإنّه شرح وتفسير وتتميم للعلّة ؛ ألا ترى أنه إذا قيل له : فلم ارتفع الفاعل قال : لإسناد الفعل إليه ، ولو شاء لابتدأ هذا فقال في جواب رفع زيد من قولنا قام زيد : إنما ارتفع لإسناد الفعل إليه ، فكان مغنيا عن قوله : إنما ارتفع بفعله ، حتى تسأله فيما بعد عن العلّة التي ارتفع لها الفاعل . وهذا هو الذي أراده المجيب بقوله : ارتفع بفعله ، أي بإسناد الفعل إليه . نعم ولو شاء لما طله فقال له : ولم صار المسند إليه الفعل مرفوعا ؟ فكان جوابه أن يقول : إن صاحب الحديث أقوى الأسماء ، والضمّة أقوى الحركات ، فجعل الأقوى للأقوى . وكان يجب على ما رتّبه أبو بكر أن تكون هنا علّة ، وعلّة العلّة ، وعلّة علّة العلّة . وأيضا فقد كان له أن يتجاوز هذا الموضع إلى ما وراءه فيقول : وهلا عكسوا الأمر فأعطوا الاسم الأقوى الحركة الضعيفة ؛ لئلا يجمعوا بين ثقيلين . فإن تكلّف متكلّف جوابا عن هذا تصاعدت عدّة العلل ، وأدّى ذاك إلى هجنة القول وضعفة القائل به ، وكذلك لو قال لك قائل في قولك : قام القوم إلا زيدا : لم نصبت زيدا ؟ لقلت : لأنه مستثنى ؛ وله من بعد أن يقول : ولم نصبت المستثنى ؟ فيكون من جوابه ؛ لأنه فضلة ؛ ولو شئت أجبت مبتدئا بهذا فقلت : إنما نصبت زيدا في قولك : قام القوم إلا زيدا ؛ لأنه فضلة . والباب واحد ، والمسائل كثيرة . فتأمّل وقس . فقد ثبت بذلك أن هذا موضع تسمّح ( فيه أبو بكر ) أو لم ينعم تأمّله .

--> ( 1 ) هو ابن السراج .